الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
107
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والقارعة : اسم فاعل من قرعه ، إذا ضربه ضربا قويا ، يقال : قرع البعير . وقالوا : العبد يقرع بالعصا ، وسميت المواعظ التي تنكسر لها النفس قوارع لما فيها من زجر الناس عن أعمال . وفي المقامة الأولى « ويقرع الأسماع بزواجر وعظه » ، ويقال للتوبيخ تقريع ، وفي المثل « لا تقرع له العصا ولا يقلقل له الحصاء » ، ومورده في عامر بن الظرب العدواني في قصة أشار إليها المتلمس في بيت . ف ( القارعة ) هنا صفة لموصوف محذوف يقدر لفظه مؤنثا ليوافق وصفه المذكور نحو الساعة أو القيامة . القارعة : أي التي تصيب الناس بالأهوال والأفزاع ، أو التي تصيب الموجودات بالقرع مثل دك الجبال ، وخسف الأرض ، وطمس النجوم ، وكسوف الشمس كسوفا لا انجلاء له ، فشبه ذلك بالقرع . ووصف السَّاعَةِ [ الأعراف : 187 ] أو الْقِيامَةِ [ البقرة : 85 ] بذلك مجاز عقلي من إسناد الوصف إلى غير ما هو له بتأوّل لملابسته ما هو له إذ هي زمان القرع قال تعالى : الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ الآية [ القارعة : 1 - 4 ] . وهي ما سيأتي بيانها في قوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ الآيات [ الحاقة : 13 ] . وجيء في الخبر عن هاتين الأمتين بطريقة اللف والنشر لأنهما اجتمعتا في موجب العقوبة ثم فصل ذكر عذابهما . [ 5 ] [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 5 ] فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5 ) ابتدئ بذكر ثمود لأن العذاب الذي أصابهم من قبيل القرع إذ أصابتهم الصواعق المسماة في بعض الآيات بالصيحة . والطاغية : الصاعقة في قول ابن عباس وقتادة : نزلت عليهم صاعقة أو صواعق فأهلكتهم ، لأن منازل ثمود كانت في طريق أهل مكة إلى الشام في رحلتهم فهم يرونها ، قال تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [ النمل : 52 ] ، ولأن الكلام على مهلك عاد أنسب فأخر لذلك أيضا . وإنما سميت الصاعقة أو الصيحة بِالطَّاغِيَةِ لأنها كانت متجاوزة الحال المتعارف في الشدة فشبه فعلها بفعل الطاغي المتجاوز الحد في العدوان والبطش . والباء في قول بِالطَّاغِيَةِ للاستعانة .